سيد محمد طنطاوي
581
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وفضلا عن كل ذلك فإن الحديث الذي رواه الإمام مسلم عنهم ، صريح في أن خروجهم سيكون من علامات الساعة ، واللَّه - تعالى - أعلم . ثم بين - سبحانه - ما أعده للكافرين من عذاب يوم القيامة فقال : * ( وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً ، الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ) * . وقوله : * ( وعَرَضْنا ) * . . أي : أظهرنا وأبرزنا يقال : عرض القائد جنده إذا أظهرهم ليشاهدهم الناس . أي : جمعنا الخلائق يوم البعث والنشور جمعا تاما كاملا . وأبرزنا وأظهرنا جهنم في هذا اليوم للكافرين إبرازا هائلا فظيعا ، حيث يرونها ويشاهدونها بدون لبس أو خفاء ، فيصيبهم ما يصيبهم من رعب وفزع عند مشاهدتها . وتخصيص العرض بهم ، مع أن غيرهم - أيضا - يراها ، لأنها ما عرضت إلا من أجلهم ، ومن أجل أمثالهم ممن فسقوا عن أمر ربهم . ويرى بعضهم أن اللام في « للكافرين » بمعنى على ، لأن العرض يتعدى بها ، قال - تعالى - : ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ . . وقال - سبحانه - : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا . . . ثم وصفهم - سبحانه - بما يدل على استحقاقهم دخول النار فقال : * ( الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي ) * . أي : أبرز جهنم في هذا اليوم العصيب للكافرين الذين كانت أعينهم في الدنيا في « غطاء » كثيف وغشاوة غليظة ، « عن ذكرى » أي : عن الانتفاع بالآيات التي تذكرهم بالحق ، وتهديهم إلى الرشاد ، بسبب استحواذ الشيطان عليهم . وفي التعبير بقوله : * ( غِطاءٍ ) * إشعار بأن الحائل والساتر الذي حجب أعينهم عن الإبصار ، كان حائلا شديدا ، إذ الغطاء هو ما يغطى الشيء ويستره من جميع جوانبه . والمراد بالذكر : القرآن الكريم ، أو ما يشمله ويشمل كل ما في الكون من آيات يؤدى التفكر فيها إلى الإيمان باللَّه - تعالى - . وقوله : * ( وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ) * صفة أخرى من صفاتهم الذميمة ، أي : وكانوا في الدنيا - أيضا - لا يستطيعون سمعا للحق أو الهدى ، بسبب إصرارهم على الباطل ، وإيغالهم في الضلال والعناد ، بخلاف الأصم فإنه قد يستطيع السماع إذا صيح به .